علي بن يوسف القفطي

106

إنباه الرواة على أنباه النحاة

وسألته عن قبر أبى العلاء ، فقال : لا أعرفه ، ولم أعلم حال المقبرة ومن بها . وبينما أنا معه في الحديث إذ حضر رجل من أهل المعرّة يعرف بساطع ، كنت أعرفه بحلب قبل ذاك ، فسألته عن قبر أبى العلاء ، فقصدت إليه ، وإذا هو في ساحة من دور أهله ، وعلى الساحة باب ، فدخلنا إليه ، فإذا القبر لا احتفال لأهله به ، ورأيت على القبر خبّازى قد طلعت ( 1 ) وجفّت ، والموضع على غاية ما يكون من الشّعث والإهمال ، فزرته وقرأت عنده ، وترحمت عليه ، واعتذرت إليه مما تقدم - رحمه اللَّه . وذكر أنه قرئ بحضرته يوما أن الوليد لما تقدّم بعمارة جامع دمشق ، أمر المتولين بعمارته ألَّا يصنعوا حائطا إلا على جبل ، فامتثلوا ، وتعسّر عليهم وجود جبل لحائط جهة جيرون ، وأطالوا الحفر امتثالا لمرسومه ، فوجدوا رأس حائط مكين العمل ، كثير الأحجار ، يدخل في عملهم ، فأعلموا الوليد أمره ، وقالوا : نجعل رأسه أسّا ، فقال : اتركوه واحفروا قدامه ، لتنظروا أسه وضع على حجر أم لا . ففعلوا ذلك ، فوجدوا في الحائط بابا عليه حجر مكتوب بقلم مجهول ، فأزالوا عنه التراب بالغسل ( 2 ) ، ونزّلوا في حفره ( 3 ) لونا من الأصباغ ، فتميّزت حروفه ، وطلبوا من يقرؤها ، فلم يجدوا ذلك ، وتطلَّب الوليد المترجمين من الآفاق ، حتى حضر منهم رجل يعرف بقلم اليونانية الأولى ، المسمّى ليطين ، فقرأ الكتابة الموجودة فكانت : « باسم الموجد الأوّل أستعين . لمّا أن كان العالم محدثا ، لاتّصال أمارات الحدوث ( 4 ) به ، وجب أن يكون له محدث ، لا كهؤلاء كما قال ذو السّنّين وذو اللَّحيين وأشياعهما ، [ فوجبت عبادة خالق المخلوقات ( 5 ) ] .

--> ( 1 ) طلع : أخرج طلعه ، وأصله في النخل . ( 2 ) الغسل ، بالكسر : الماء يغسل به . ( 3 ) الحفر ، بالتحريك : اسم المكان الذي حفر . ( 4 ) في الأصل « الحدث » ، وما أثبته عن معجم البلدان . ( 5 ) التكملة من معجم البلدان ( 4 : 76 ) ، وقد صرح بنقل هذا الخبر عن القفطيّ . وفى المعجم : « فوجدت » بدل « فوجبت » .